أحمد مصطفى المراغي

18

تفسير المراغي

على شئ من نزعات الوثنية ، ونسب ما جهل سره من عجائب الخلق إلى قوة غير طبيعية يتقرب بها إلى اللّه زلفى ، فقد حق عليه العذاب ، وكان جزاؤه جزاء الدين يقولون آمنا باللّه وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين . وجاء بمعنى الآية قوله : « وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ؟ » . وقد جعل المسلمون قوله : ( لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ ) أسّا من أسس الدين ، وركنا عظيما من أركان سياسته ، فلم يجيزوا إكراه أحد على الدخول فيه ، كما لم يجيزوا لأحد أن يكره أحدا على الخروج منه . وإنما يتم ذلك إذا كانت لنا المنعة والقوة التي نحمى بها ديننا وأنفسنا ممن يحاول فتتنا فيه أو الاعتداء علينا ، وقد أمرنا اللّه بأن ندعو إلى سبيله بالحكمة والموعظة الحسنة وأن نجادل المخالفين بالتي هي أحسن مع حرية الدعوة وأمن الفتنة . وإنما فرض علينا الجهاد ليكون سياجا ووقاية لصدّ من يقاوم هذه الدعوة ، ويمنع نشر هذا النور في أرجاء المعمورة ، وكف شر الكافرين عن المؤمنين ، كيلا يزعزعوا ضعيفهم قبل أن يتمكن الإيمان من قلبه ، ويقهروا قويهم بفتنته عن دينه ، كما كانوا يفعلون ذلك في مكة جهرا ، ومن ثم قال سبحانه : « وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ » * أي حتى يكون الدين كله خالصا للّه غير مزعزع ولا مضطرب ، ولن يكون كذلك إلا إذا كفّت الفتن عنه وقوى سلطانه حتى لا يجرؤ على أهله أحد . والفتن تكفّ بأحد أمرين : ( 1 ) بإظهار المعاندين الإسلام ولو باللسان ، وبدا لا يكونون من خصومنا ولا يناصبوننا العداء ، ولا يمنعون أحدا من الدعوة إليه . ( 2 ) بقبول الجزية وهي جزء من المال يؤخذ من أهل الكتاب جزاء حمايتنا لهم بعد أن يخضعوا لنا فنكفى شرهم .